عبد الله بن أحمد النسفي

236

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 38 إلى 39 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) 38 - هُنالِكَ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب ، أو في ذلك الوقت ، فقد يستعار هنا وحيث وثمّ للزمان ، لما رأى حال مريم في كرامتها على اللّه ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمّها حنة في الكرامة على اللّه ، وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أمّها كذلك ، وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً ولدا ، والذرية يقع على الواحد والجمع طَيِّبَةً مباركة والتأنيث للفظ الذرية إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه . 39 - فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ قيل ناداه جبريل عليه السّلام ، وإنّما قيل الملائكة لأنّ المعنى أتاه النداء من هذا الجنس ، كقولهم فلان يركب الخيل ، فناديه بالياء والإمالة حمزة وعليّ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ وفيه دليل على أنّ المرادات تطلب بالصلوات ، وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات ، وقال ابن عطاء : ما فتح اللّه تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب أَنَّ اللَّهَ بكسر الألف شامي وحمزة على إضمار القول ، أو لأنّ النداء قول . الباقون بالفتح أي بأنّ اللّه يُبَشِّرُكَ يبشرك وما بعده حمزة وعليّ من بشره ، والتخفيف والتشديد لغتان بِيَحْيى هو غير منصرف إن كان أعجميا « 1 » وهو الظاهر ، فللتعريف والعجمة كموسى وعيسى ، وإن كان عربيا فللتعريف ووزن الفعل كيعمر مُصَدِّقاً حال منه بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي مصدقا بعيسى مؤمنا به ، فهو أول من آمن به وسمّي عيسى كلمة اللّه لأنّ تكوّنه بكن بلا أب ، أو مصدقا بكلمة من اللّه مؤمنا بكتاب منه وَسَيِّداً هو الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف ، وكان يحيى فائقا على قومه لأنّه لم يركب سيئة قط ، ويا لها من سيادة ، وقال الجنيد « 2 » : هو الذي جاد بالكونين عوضا عن المكوّن وَحَصُوراً هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصرا لنفسه أي منعا لها من

--> ( 1 ) في ( ز ) عجميا . ( 2 ) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخراز ، أبو القاسم ، صوفي من العلماء بالدين ، مولده ونشأته ووفاته ببغداد . عده العلماء شيخ مذهب التصوف مات عام 297 ه ( الأعلام 2 / 141 ) .